الغزالي
238
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
قالوا : يا رسول اللّه فأين الشيطان منهم ؟ قال : « ما يدرون خلق الشيطان أم لا » . قالوا : أمن ولد آدم ؟ قال : « لا يدرون خلق آدم أم لا » . وعن عطاء قال : انطلقت يوما أنا وعبيد بن عمير إلى عائشة رضي اللّه عنها فكلمتنا وبيننا وبينها حجاب : فقالت : يا عبيد ما يمنعك من زيارتنا ؟ قال : قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « زر غبا « 1 » تزدد حبا » قال ابن عمير : فأخبرينا بأعجب شيء رأيته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . قال : فبكت . وقالت : كل شيء من أمره كان عجبا ، أتاني مرة في ليلتي حتى مس جلده جلدي ، ثم قال : ذريني أتعبد لربي عز وجل . فقام إلى القربة فتوضأ منها ، ثم قام يصلي فبكى حتى بل لحيته ، ثم سجد حتى بل الأرض ، ثم اضطجع على جنبه ، حتى أتى بلال يؤذنه بصلاة الصبح ، فقال : يا رسول اللّه ما يبكيك وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال : « ويحك يا بلال وما يمنعني أن أبكي ، وقد أنزل اللّه تعالى علي في هذه الليلة : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ « 2 » ثم قال : « ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها » . فقيل للأوزاعي ما غاية التفكر فيهن ؟ قال : يقرؤهن ويعقلهن « 3 » . وعن محمد بن واسع ، أن رجلا من أهل البصرة ركب إلى أم ذر بعد موت أبي ذر فسألها عن عبادة أبي ذر . فقالت : كان نهاره أجمع في ناحية البيت ، يتفكر . وعن الحسن قال : تفكر ساعة خير من قيام ليلة . وعن الفضيل قال : الفكر مرآة تريك حسناتك وسيئاتك . وقيل لإبراهيم : إنك تطيل الفكرة ، فقال : الفكرة مخ العقل . وكان سفيان بن عيينة كثيرا ما يتمثل بقول القائل : إذا المرء كانت له فكرة * ففي كل شيء له عبرة « 4 »
--> ( 1 ) غبا : أي الزيارة بين الحين والآخر . ( 2 ) سورة آل عمران ، الآية : 190 . ( 3 ) يعقلهن : أي يدرك معناهن على حقيقتها . ( 4 ) عبرة : موعظة .